الممارسة الثقافية في الوسط الأسري
بين التأصيل و مداخلات العولمة
وتكنولوجيا المعلومات

د / سوسن المليتى _باحثة في  الإعلام  والاتصال_
جامعة طيبة - المدينة المنورة

مقدمة

شهدت الأسرة العربية عامة تغيرات ملموسة في العلاقة بين أعضائها و خاصة فيما يتعلق بدورها في عملية التنشئة الاجتماعية المرتبطة بمسألتي التكيّف الاجتماعي والثقافي والمتعلقة بمفاهيم ثابتة ومتحولة كمفهوم الهوية و الممارسة الثقافية نتيجة ثورة الاتصال المتواترة في مسار تقدمي و تصاعدي أدى بطريقة مباشرة وغير مباشرة لخلق صراع بين قيم الأصل المتجسدة في مؤسسة الأسرة كنواة أولية للتطبيع الإنساني وما يتلقاه الأبناء والشباب بصفة أخص من ممارسات ثقافية واجتماعية جراء عملية التفاعل مع محيطهم.

 لذلك فإن الإحاطة بدراسة مؤثرات الاتصال من زاوية علم الاجتماع لتتبع ورصد أثارها الفردية والاجتماعية في حياة أفراد الأسرة داخل هذا الوسط الأسري شأنه أن يحدد لنا الملامح العامة وأشكال العلاقات بين الأجيال ما دام هذا الإنسان على حد تعبير العلّامة عبد الرحمن ابن خلدون "مدني بطبعه". حيث عملية الاتصال الاجتماعية التي تنقل بواسطتها جملة الأفكار والمعلومات بين الشباب داخل النسق الاجتماعي في إطار ثقافة العولمة و استمرارها مؤقتاً بانتقال الرموز بين الأفراد هو "الاتصال والتواصل عند حدوث اتساع في المجال الانتشاري للمعلومات في مجتمع المعرفة نتيجة لتطور وسائل حديثة للاتصال كالانترنت والأقمار الصناعية والنقال وغيرها ما يدفع فئة الشباب لمواجهة أشكال  متعددة من الثقافات.

 فلم تعد التنشئة الاجتماعية  socialization هي نقطة الانطلاق الأساسية في إعداد أفرادها للحياة الاجتماعية بل إن تدخل أجهزة و مؤسسات  أخرى مهّد لوجود ثقافات فرعية  أثرت على سلوكيات الشباب وتمثلاتهم وخاصة لدى الشبان  في إطار البحث عن أشكال جديدة للعلاقات مثل الصداقة  خارج إطار الأسرة مما يتسبب في خلق اضطرابات مسّت العلاقات  الاجتماعية داخل  الوسط العائلي.

 لقد أثّر هذا بشكل ملحوظ  على مستوى  إحساس الفرد بالانتماء لقيم مستحدثة على حساب التمسك بالهوية على أنها "  توافقاً  يقوم به الفرد  لبناء مختلف  مظاهر شخصيته  سواء كانت حالية أم ماضية أو مستقبلية. فالتاريخية تطبّع الجماعة بطابعها  على مدار تاريخ الجماعة لتخرج في شكل عادات وسلوكيات تدخل ضمن التراث الثقافي حيث تواجه اليوم تحديات  كبيرة من جراء زحف العولمة بمختلف أشكالها وخاصة المنبثقة  من العولمة الثقافية  المتأثرة بمجتمع المعرفة.

لقد تحوّل العالم قرية كونية يُراد له الانصهار في هوية عالمية جديدة  ممهدة لولادة ثقافة جديدة سواء في شقها النظامي لصالح المؤسسات الرسمية أو في نسقها الشعبي الذي ينبثق من تفاعل الأفراد مع محيطهم في إطار الممارسات الثقافية المتعددة لترشح مقولة " عصر الصورة" التي تتسم بالانجذاب  إليها بشكل ملحوظ ( نت، فضائيات وغيرها).

- إن الممارسة الثقافية في الوسط الأسري في ظل مجتمع المعرفة وارتباطها بمسألة التغير يعتبر مدخلاً هاماً لتسليط الأضواء  على  فهم العلاقات  بين الأجيال التي باتت تهز كيان الأسرة  العربية  بشكل عام والتطور السريع الذي أحدث خللاً في التوازن العلائقي - النفسي الاجتماعي  في عالم  جد متحول- بين الأجيال وخاصة لدى الشباب العربي بصفة عامة بصفة خاصة  على  اعتبار أن هذه الفئة تشكل وزناً  ديموغرافياً  هاما ًفمن المتوقع أن يكون مع حلول سنة 2020 ميلادى15مليون فرد أعمارهم أقل من20 سنة وفقاً لتوقعات عالمية لسكان العالم؟

  وأن نسبة 42% من سكان هذه المنطقة دون 18 سنة  بحسب تنقيح عام 2008م لمكتب اليونسيف بالخليج1، وهذا يجعلنا نؤكد على أن الشباب الأكثر اقتداراً في الانخراط  في ظل المنظومة الجديدة التي بدأت تتشكل رهاناتها في العديد من المجالات الاجتماعية المختلفة، تظهر ملامحها على أنماط السلوكيات في اتجاه التكيف مع متطلبات المرحلة. فمرحلة الشباب كأي مرحلة من مراحل حياة الإنسان لها صفاتها التي تميزها من سمات شخصية انفعالية وعقلية وتخضع هذه المرحلة لتغيرات حضارية وزمنية  لا يستهان بها.

- فإلى أي مدى يمكننا تحديد مسألة الممارسة الثقافية لدى الشباب في الوسط الأسري في إطار التحولات العلمية  المعرفية الهائلة و التي تؤثر على مستوى العلاقات و الثقافات بين أعضاء الأسرة؟

- هل التنشئة الأسرية مازالت تحافظ على كيانها فى الرقابة؟

- وهل  الاندماج الاجتماعي والثقافي في المنظومة الكونية من شأنه أن يحافظ على التوازن العلائقي والنفسي بين أعضاء الأسرة المُعولمة؟

لقد أحدثت تكنولوجيا الاتصال المعاصرة تحولات عميقة على المستوى التنظيمي والعلاقات المشتركة في حياة الفرد والجماعة وهذا أمر حتمي  جراء العولمة التي أصبحت الإطار الذي يفرض أن تتحرك فيه و تتأثر به كل المظاهر المجتمعية على المستوى المحلي والإقليمي.

العولمة و التحديات أمام "الأسرة المعولمة":

- لقد باتت العولمة ظاهرة إعلامية وثقافية عالمية لا مفرّ منها جعلت العالم يتحول إلى قرية كونية دفعت المجتمعات إلى ضرورة إعادة هيكلة واقعها للتكيف مع متطلبات المرحلة. وتسبب هذا في إحداث إشكالية انخراط الشباب العربي بالاستيعاب والتكيف مع وجود ثقافات فرعية جديدة  وجعل  الأسرة المُعولمة اليوم تواجه تحديات حقيقة على مستوى التعامل مع متطلبات الجيل الجديد.

 أن وسائل  الاتصال الحديثة الطاغية على  الأشكال التقليدية تفرض على الأسرة مراجعات عميقة لمسارات اجتماعية في التنشئة  التي كانت من اختصاصها كمؤسسة تاريخية عريقة في تربية الأجيال لصالح مؤسسات أخرى على غرار شبكة الانترنت وتعدد الوسائط فى خلق ثقافة أو ثقافات فرعية لفئة الشباب الأهمّ في التركيبة السكانية.  فقد أصبح أفراد هذه الفئة  يمثلون شريحة  اجتماعية لها ثقافة فرعية لها لغة خاصة بها تتواصل من خلالها.  و لعل هذا كله يعود إلى عوامل من أبرزها:

1 ـ تأثير الثورة العلمية والتكنولوجيا ( الإنترنت – الأقمار الصناعية) التي تتجاوز الحدود الجغرافية في خلق نوع من  العلاقات بين الإقران.

2 ـ الهروب من الواقع في ضوء تفاقم نسب البطالة.

3 ـ انتشار ما يسمى بالأسرة "النواة".

4 ـ خروج المرأة للعمل.

"بالرغم من حداثة ثورة الاتصال فإنها نجحت في إحداث تغيرات جذرية على مستوى الممارسات الثقافية للمجموعات والأفراد". إذ لم تعد التنشئة الاجتماعية حكراً على مؤسسة الأسرة. فلقد لعبت أجهزة الإعلام ووسائل الاتصال الأخرى كالإنترنت وانتشار الأقمار الصناعية والهاتف النقال دوراً في استقطاب وفي احتضان فئة الشباب والمراهقين ، مؤدياً ذلك إلى نقص في التواصل بين أفراد الأسرة واستعمالهم لرموز شبابية خاصة به.

فالاصطلاح السوسيولوجي لانتشار الرموز بين الأفراد هو " الاتصال والتواصل". أي انتقال المعلومات والأفكار والاتجاهات والعواطف من شخص لآخر ومن جماعة إلى جماعة2. فعملية الاتصال هي  العملية الاجتماعية الأساسية  في البيئة الأسرية الخاصة والاجتماعية العامة. إن انتشار الفضائيات في كل البيوت لتشمل المناطق الريفية والحضرية قد ساهم خلق هوة فاصلة بين الآباء والأبناء قلّصت من فرص التواصل بين أعضاء الأسرة بسبب الانفتاح على القنوات الأجنبية التي تسمح لكل أفراد العائلة باختلاف فئاتهم العمرية باستهلاك المادة الثقافية المعروضة بحسب أذواقهم وميولاتهم  تاركين فراغاً  في  "مجال" قيام حوار عائلي يُناقش (مشاغل الأسرة – ميزانية العائلة – كيفية التعامل مع الطفل أو المسن وطرح مسائل تخص الدراسة و غيرها).

"الثورة في الثقافة وفي المعلومات وفي أنماط الاستهلاك التي أحدثتها الحداثة في المجتمعات العربية قد أفرزت ثورة صامتة في القيم والاتجاهات  وفي المهارات التي يحتاجها الأفراد"3.

تعتبر الأسرة النظام الاجتماعي الوحيد الذي عرفته المجتمعات لنظم العلاقات.  ولكنها بدأت اليوم تفقد وظائفها التربوية و التثقيفية لصالح وسائط حديثة ومؤسسات أخرى استلهمت ممارسات ثقافية جديدة للشباب، قلصت من رقابة الأولياء وأضعفت من سلطتهم المعيارية بتبني الأسرة قيماً تتسم بالمرونة المفرطة والحرية الزائدة التي توسم سلوكيات الشباب بتصرفات خارجة عن العادة مثل: عنف لفظي، وصمت عن بعض السلوكيات كمغادرة الأبناء ( 18-25) سنة من الذكور للمنزل ولا يعودا إليه إلاّ في ساعات متأخرة من الليل، وأحياناً في الصباح دون أي تحاور من طرف رب العائلة  في أغلب الأحيان. وهكذا تسيّر الأمور عادية في صمت.

وهذا يشير إلى دخول أنماط سلوكية غريبة عن الأسرة العربية بصيغة ثقافة جديدة في التعامل  بين أفرادها من سلوكيات التحرر من الضبط الاجتماعي بحسب مصطلح عالم الاجتماع إميل دوركايم. وتصبح الأسرة مرآة فضاء يحوي كل التغيرات القيمية الطارئة مقارنة بالمجتمع الكلي. والنتيجة؟ تحرّر الفرد من القيود القيمية الضابطة  لتوازن الأسرة نتيجة لتغير الواقع المادي والرمزي داخل الوسط الأسري "المتصدع" وفقدان العائل  المعولم  إن صح التعبير واحتواءه  لعملية التنشئة  الجديدة في واقعها المتحرر وخوفاً من التصادم  بين الجيلين المتمثل فى الآباء والأبناء.

وهذا ما يفسّر تزايد الاهتمام  بإشكالية التواصل العلائقي بين أفراد الأسرة في إطار العديد من المؤتمرات والمنابر والدراسات ، ونجد من بين أهم الدراسات التي تناولت هذه الإشكالية :

ـ " الصراع القيمي بين الآباء والأبناء وعلاقتها بالتواتر النفسي"، المركز القومي للبحوث.

ـ " الأسرة والطفرة والشباب"، معهد الإنماء  العربي لعلم اجتماع الأسرة.

مما يؤشر لقيم  جديدة تؤثر في بروز ممارسات ثقافية تنم على تغلغل ذهنية جديدة مرتبطة بمضامين الحداثة إذ  أن فئة الشباب هي الأكثر انخراطاً في المجال الثقافي المعولم  حيث هناك مشكلات فرعية لتشكل القيم،  قيم مركزية تدور حولها وفي حقلها قيم تابعة تؤثر على شبكة العلاقات وأشكال التربية المجتمعية.

وإلى أي  طريق تسير هذه الأنماط السلوكية الجديدة داخل الوسط الأسري؟

هل تمهد لوجود أنوميا بالمعنى الدوركايمي " عجز المجتمع عن تجسيم سلطة الجماعة الضاغطة على الأفراد 4.

من هنا يمكننا أن نلامس  الواقع  بتهديد العولمة الثقافية  للقيم  المتعلقة بالدين الإسلامي التى تدعو إلى التكافل والوحدة (المسلمون كالجسد الواحد  إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى ) وإلى احترام كبار السن.

تواجه الأسرة اليوم تحديات خلال مسيرتها في عملية تربية الأبناء والحاجة إلى إيجاد التوازن النفسي والاجتماعي داخل الوسط الأسري نتيجة لتدفق تكنولوجيا الاتصال وتعدد الوسائط التثقيفية حيث يعيش الشباب ازدواجية في الشخصية  كما وضحها الدكتور يوسف ادريس "العربي كسفينة جزء منه فوق الماء ظاهر للعيان وجزء تحت الماء لا يراه أحد".

 و لعل هذا مؤشر لامس نزعة الآباء في تأصيل القيم العربية والإسلامية (كاحترام المُسّن- الجار – نبذ العنف اللفظي) والتنبيه لما قد تنصبه العولمة الثقافية من شراك وفخاخ ومخاطر انزلاق الشباب نحو قيم التغريب والتهميش (زعزعة ركائز الهوية الأم ). ومن هنا تولد إشكالية الذوبان في ثقافة الآخر  دون التفطن إلى خطر زحف قيم غريبة لا تمت بصلة للقيم الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة، الأمر الذي قد يسبب حدوث صراع بين الأجيال (تمثل الشباب لثقافة الآخر وتنامي شعورهم  بالفاصل الزمني بينهم وبين الجيل  الذي سبقهم، ونعت الجيل السابق بالفكر المحافظ إلى حدّ الانغلاق، و رفضهم بالتالي الوصاية والرقابة.

 فيندفع  الجيل الجديد إلى ردود فعل في محاولة لإثبات الذات عبر خلق واقع  جديد لسدّ هذا الفراغ العاطفي والتواصلي مع الأولياء) أدّى الى  جنوح قسم كبير من الشباب إلى اختلاق واقع افتراضي خاص بهم تتيحه وسائل التكنولوجيا الحديثة في مجالي الاتصال والمعلومات، "بالتعبير واستخدام التكنولوجيا الرقمية في محاكاة الواقع لأهداف عديدة سواء كان هذا الواقع حقيقيا أو وهميا خياليا".5

 وقد أدّى ذلك إلى اكتساح هذه الثقافة الجديدة حياتنا وبيوتنا مؤثراً بالتالي بشكل كبير على العلاقات بين أفراد الأسرة  وأصبح الشاب يعيش ازدواجية  في ملامح شخصيته بين قوى الجذب الجديدة المغرية و الانفلات من الرقابة الأسرية .

وكشفت دراسة حديثة حول استخدامات الانترنت في المملكة شهد ارتفاع انتشار خدمة الانترنت لتصل إلى ما نسبته 36% من السكان خلال عام 2008م مقارنة ب30% في عام 2007 مؤكدة أن 49% من المساكن السعودية يوجد بها حاسب آلي أو مكتبي أو محمول للتوجه نحو مجموع الرفاق عبر شبكات الإنترنت و خلق عوالم اجتماعية  مختلفة ( univers-sociaux). social universe

-  نزوع الشباب إلى ابتكار " لغة خاصة " بهم تزيد في تعميق الهوة بينهم وبين محيطهم.  يعجز الأولياء  على فك رموزها  ودلالاتها  وحصول عزلة في حياتهم بالرغم  من أن التواصل مع الغير نزعة متصلة لدى الفرد، ومما قد يفسر ذلك انخراط الشباب في ما يسمى بالجماعات  الخائلية  عبر شبكة الانترنت  التي تتوسع يوماً بعد يوم ( دراسة أجرتها مجلة انترنت العالم العربي في منتصف عام 1999 أثبتت أن متوسط أعمار مستخدمي الانترنت في البلدان العربية بلغ 29.9% سنة).

 فإن كان استخدام المواطن في البلدان الغربية لشبكة الانترنت ناتج عن شعوره بالعزلة الاجتماعية على صعيد العلاقات الشخصية ومحاولته ربط صلات افتراضية فإن  الظاهرة  في البلدان العربية  تميل  إلى بحث الشباب عن التسلية أو المتعة كما يحصل في غرف الحوار وهم بذلك ينزلقون في "مجال" افتراضي  أو "واقع افتراضي" يحدّ من مجالات الحوار والتفاوض بينهم وبين بقية أفراد العائلة حول المشاغل الواقعية الخاصة والعامة.

 ولكن مع الحرص بأن تؤدي شبكة الانترنت دوراً ايجابياً ديناميكياً إذ هي تفتح باباً واسعاً على ثقافات الشعوب الأخرى، وجب توخي الحذر من شعارات تحديث الثقافة العربية "التي قد تؤدي إلى تهميش الهوية"  المطلوب حمايتها من الانشطار في ظل التطور الهائل والسريع – استخدام الكاميرات والهواتف  المركبة ، وجعل هذه الجماعات العائلية أقرب إلى واقعه ( الإبحار في الفضاءات المعلوماتية يؤدي إلى فتور العلاقات مع أفراد الأسرة وإلى انعزال الفرد عن واقعه ومجتمعه وجماعته الفعلية. فالانترنت أصبحت تشكل وسيطاً إعلامياً هاماً لا مفر منه، وإلى أين؟.

ملامح شخصية الشاب بين قوى الجذب والتحرر من السلطة الأسرية: يمثل تحديد مفهوم الشخصية أصعب المصطلحات تفسيراً لأنها تمس البناء الخاص لصفات الفرد والمرتبطة بأنماط سلوكه التي من خلالها تحدد أشكال تكيفه مع بيئته. فالشاب يبدي رغبته في التحرر من تدخل الآباء في حياتهم  ويعتبرونها شخصية ( اختيار المهنة أو اختيار القرين) نسبة 85.7% من الشباب حسب الاستشارة الوطنية التى عقدت بتونس فى  2008 "الشاب يخلق لنفسه  نظاماً ثقافياً  أكثر تفهماً إلى الضغوطات والمتطلبات الاجتماعية الحالية. ومن هنا فإن العائلة تعكس صراعاً: صراع ثقافة الداخل وهي ثقافة الكبار والأولياء، وثقافة الخارج وهي ثقافة الشباب".6

-  ارتباط الممارسة الثقافية من المنظور السوسيولوجي بمحددات اجتماعية تنحصر في تعامل الشباب مع ما يتاح من مادة ثقافية لا بمعناها الأنتروبولوجي بل بمعنى التعامل مع المادة الثقافية. حيث لم تعد الثقافة اليوم خاضعة لوسائل تقليدية في النشر والانتشار بل أصبحت متأثرة بالتكنولوجيا الاتصالية. 

وباعتبار اكتساح وسائل الاتصال الافتراضي مثل الإنترنت في إيجاد بنية جديدة تعتمد المشاهدة والسمع تقضي على فعالية الأشكال القديمة وخلق عالم تفاعلي في تكوين ملامح جديدة للشباب المستهلك لهذه التكنولوجيا. وفي هذا السياق، تشهد شبكة الإنترنت كل يوم إصدار ما بين 400 و 800 مليون صفحة جديدة بفضل النسق السريع للتكنولوجيا ووجود نظام مفتوح  لاستقبال الإنترنت عن طريق جهاز التلفزة عن طريق محول خاص يتم وضعه وفق جهاز التلفاز.

 لقد أصبح الواقع الجديد  يحتّم أن تكون  الممارسة الثقافية مفتوحة وحرة ومعولمة وصارت الانترنت وتقنيات الاتصال والمعلومات ثقافة رمزية موازية لثقافة المجتمع المحلي. وباعتبار هذه التقنيات برزت مظاهر الثقافة المعولمة.  وفي إحصائية لمجموعة  MineWattsبتاريخ مارس2009  بلغت أكثر من مليار ونصف فى العالم بوتيرة متفاوتة7.

تمثل الأسرة فضاء داخلياً  يختزل كل  توترات المجتمع  وتناقضاته  وكأنها  على حد  تعبير أندري فورتان : "العائلة هي الملاذ الوحيد، La famille,premier et dernier recour "world-Sola family, first and last cial recour   8إذ هي باستمرار تحاول جاهدة تحصين أفرادها  من غزو قيم التحرر خاصة  أن أشكال التضامن  هي آلية في المجتمع  التقليدي  بصدد التفكك حيث يجد الفرد نفسه ممزقاً أمام تعدد العناصر الثقافية في إطار الزحف الإعلامي  الذي يمارس سلطته على ذهنيات  الشباب  الذي يحثهم على المزيد من تدعيم  السلوك الاستقلالي – فئة المراهقين ( 15-20) سنة يمرون  بمرحلة زمنية  تشهد تحولات نفسية عميقة تطبع شخصيتهم.  فهم الأميل إلى التمرد  والتحرر من الضغوط  العائلية.  إن الإعلام  بحسب تعبير عبد الوهاب بوحديبة "... الإعلام مؤسسة رسمية  تمارس شكل الوصاية على الأذهان و الأذواق في مختلف البرامج  و المنوعات،  فهي تهدد البعض و تمدح البعض  الآخر وتنوع الأذهان..."

- إن التغيرات المجتمعية الشاملة للعائلة التونسية وضعت أنماط السلطة الأبوية  موضع استفهام ( سلطة الأب) بتدخل  أطراف أخرى تسهم في تغيير نمط  الحياة (المشهد اليومي).

- التوجه نحو مجموع الرفاق عبر شبكات الإنترنت وخلق عوالم اجتماعية مختلفة (univers-sociaux).

إن الفضاءات المعلوماتية المفتوحة والمُوجّهة تحتوي جميع الوسائط الأخرى المطبوعة و المسموعة و المرئية – حيث أن معظم  مستخدمي الإنترنت العرب 88 %  يستخدمون الإنجليزية و 10 % العربية، واللغات الأخرى 10% .

و لكن يبقى التلفاز الوسيلة الإعلامية الأكثر جذباً للجمهور تؤثر على تشكيل الرأي العام حيث تدخل ضمن البرامج اليومية للأسرة "وسائل الإعلام  والاتصال الجماهيري وخاصة المرئية تعمل على تكريس واقع التغريب وترويج قيم ثقافية وسلوكية بعيدة عن خصوصية الواقع9."

ومن بوادر التراجع في مجال التواصل الاجتماعي المباشر توفير القنوات الفضائية  الوافدة حرية اختيار ممارسة الهوايات مما نجم عن ذلك أيضاً حدوث اختلال في أوقات النوم لدى أفراد الأسرة التي  تشمل فئات مختلفة من الأعمار ( الطفل – الشاب – الكهل – المسن).

- التحول الوظيفي للأسرة في النسق الاجتماعي؟ افتقدت مؤسسة الأسرة العديد من مهامها  الجوهرية فهي مفتوحة بين ثقافات وافدة ومفتوحة. فقد تعددت مصادر المعرفة  بحيث أصبحت الأسرة ليست وحدها مصدراً للمعرفة بل شاركها مصادر أخرى أكثر اشعاعاً وشمولاً مما أدّى إلى تعدد اللغات كأداة للاندماج في مجتمع المعرفة".

 وفي هذا الإطار، فقد تجاوز عدد القنوات التلفزيونية والفضائيات اليوم  6 ألاف قناة  وتجاوز عدد الأقمار الصناعية المشغلة في مجال الاتصالات الإذاعية  والتلفزيونية على المستوى العالمي 170 قمرا اصطناعيا ".10

وانتقل الوسيط المؤسساتي للمعرفة إلى الوسيط الافتراضي بتوفر الحواسيب الشخصية بشروط  وأسعار معقولة– مشروع الحاسوب العائلي- تمكين  العائلات التونسية متوسطة الدخل من انخفاض في أسعار الحاسوب العائلي باستمرار واعتمادا على الانخفاض العالمي في تكلفة مثل هذه التكنولوجيات الاتصالية من أجل نشر الثقافة الرقمية بين عامة الناس.

لكن الولايات المتحدة الأمريكية بلغتها الانجليزية تسيطر على 95% من المساحة المخصصة لأكثر من 10000لغة يتواصل العالم بها ضمن سكان المعمورة. أما اللغة العربية فنصيبها على الانترنت ما يعادل 1% أو أقل بمقابل ما تحتكره أمريكا بنسبة 90% من المعلومات حول العالم بأسره مخزنة لديها وهي أيضاً وراء 75% من المعلومات المتنقلة عبر شبكات الحواسيب عبر العالم.

- الثقافة باتت تواجه وسيطاً تقنياً بسبب زحف تكنولوجيات الاتصال الحديثة كما ساهم في ولادة قيم جديدة ( تعدد القنوات وتخصصها الأرضية- الفضائية).

" فإلى أي مدى تصمد الأسرة في عالم اليوم في ضوء ملامح و الخصائص الديناميكية على المستوى الإقليمي أو المستوى العالمي في ظل العولمة الثقافية الكونية."  التي تتجاوز الحدود المكانية  وتمتد إلى آفاق بعيدة. فبعد أن تعرفنا على أهم الإشكاليات  المطروحة في إطار تحليل مظاهر الممارسة الثقافية في الوسط الأسري بين قيم التأصيل وشرك العولمة، توصلنا للإشارة إلى أن الأسرة اليوم هي أفضل حالاً من العديد من الأسر الغربية من حيث تماسكها الاجتماعي التي ثقل كاهلها نتيجة ضغوطات الحياة وفقدان التواصل بين الأجيال.

فقد أثبتت دراسة حول الوقت الذي يستغرقه الآباء في الحديث مع أبنائهم  في هولندا لا تتجاوز زمن ذلك أكثر من 11 ثانية يومياً بينما لدى الأمريكيين 1 دقيقة"20  وتقتصر إجاباتهم على أسئلة الأبناء على بعض الجمل المختصرة والسريعة في إطار إجابات سريعة ومقتضبة.

و بالرغم من تدخل الوسائط الإعلامية  المتعددة داخل البيت العربى فإن مؤشر تماسك الأسرة ما زال يحافظ على التواصل بين أعضائها بالرغم من الفارق بين أشكال  الأسس التربوية والثقافية والقيمية داخل الوسط الأسري. واستناداً للإشارة الشبابية الثالثة تونس نموذج أ فقد عبر الشباب عن شعورهم بالراحة و الطمأنينة  في الوسط العائلي  بنسب 76.4% حيث يجدون الراحة التامة للعيش ضمن عائلاتهم وأنهم يبدون رغبة في العناية بالوالدين بنسبة 98.7% من المستجوبين (تطابق هذا الرأي مع الاستشارتين السابقتين)11

- الاستشارة الأولى :  83.6%

- الاستشارة الثانية 72%

وحول آليات الاستقرار العائلي والتوازن العلائقي أجاب الشباب المستجوبون:

- الاعتراف بجميل الوالدين  في عملية التنشئة 81% من الشباب أعدوا دور الأولياء في احتواء الأبناء وقت الأزمات.

- 83 % اعتبروا أن الأسرة هي الملاذ الوحيد.

 - معطيات الأسرة اليوم غير معطيات الأسرة في السابق  فقد تغير حجمها  وضاقت حدودها ، فالحداثة مشروع لم يكتمل بعد حسب هابرماس. 

- بقدر ما للأسرة من وظائف مباشرة فإن عليها بالقدر نفسه وظائف غير مباشرة،

-  أصبح الفرد يتطلع  إلى توسيع دائرة الجماعة التي يتعامل معها الفرد ويصبح لديه جماعات يؤثر ويتأثر فيها وبها كأسرة النادي- المجتمع المحلي -

- الأسرة منظومة اجتماعية وقيمة ثقافية وحضارية لا يمكن بأي حال أن تتجمد أو تنعزل عن التأثر بالحركية السائدة في العصر الحالي.

- طبيعة التحديات المطروحة تفرض وضع المزيد من البرامج للعناية بالأسرة ودعم دورها.

- الأسرة أصبحت شبه عاجزة عن فرض رقابتها التقليدية تاركة المهمة لمؤسسات أخرى. وهو الذي يتسبب في حدوث إشكال كبير عندما تتخلى الأسرة عن دورها أمام مخاطر القنوات الأجنبية على تنشئة الأطفال  وتوجيههم السليم في إطار عملية تواصل تشمل كذلك المراهقين واعتبار الأسر مدركة أفخاخ لاستهلاك أبنائهم لكثير من الفخاخ التي تنصب لشبابنا عبر شبكة الإنترنت.

فدراسة التوترات الحاصلة في العلاقة بين الأجيال من مشمولات علم الاجتماع  باعتبارها ظاهرة  تولدت عن التحولات العميقة  التي شهدتها هياكل المجتمع التونسي في إطار المؤسسات الاجتماعية والثقافية الأكثر تماسكاً وهي الأسرة التي كانت تتحمل مسؤوليات توجيه الأبناء في مختلف مراحل حياتهم.

  ولكن هذا الدور بات في تضاؤل حيث يشعر الشاب بقلق وتوتر ويعيش حالة نفسية  فردية تتسم بالمعاناة مما يجعله يرتمى في أحضان مساوئ الممارسات الثقافية (التي تتيحها الإنترنت) في إطار البحث عن ملاذ تشبع ذاته الحائرة والساعية لقطع حيل التواصل مع فكر محافظ  وجاثم على أنفاسه غير عابئين بقيم التعايش في مجتمع المعرفة والاستفادة من الجوانب الإيجابية بما تتماش مع القيم العربية والإسلامية ".

ان النظر لكثير من علاقات الأبناء مع أبائهم فتجدها علاقات موسومة بالتّوتّر" وهو ما يدفع لدى هؤلاء ظهور نزعات التطرف عند بعضهم جراء المناخ الخالي من الرباط الوجداني والنفسي داخل البيت الذي تمثله الأسرة كدرع حصين، حسب مفهوم "ابن منظور" لها . 

المراجع

1)     مكتب اليونسيف _منطقة الخليج 2008م

2)     الاتصال ونظرياته المعاصرة، حسن مكاوي،ليلى السيد،الدار المصرية اللبنانية،

3)     Bouhdiba (A), la redistribution des roles danns la famille, page

4)      مقال بعنوان غزو واسع للواقع الافتراضي، مجلة العربي العلمي، العدد 35 أفريل 2007 ص 56 و 57

5)      مصطفى عمر التير، المشكلات الاجتماعية: تحديد إطار عام، الفكر العربي، عدد19، كانون الثاني 1981 ، ص ص7-246  

6)      وزارة الرياضة، السياسات الوطنية للشباب، منشورات وزارة الشباب والرياضة، تونس 200

7)    www.internetwordstats.com Minwatts Fortin, du André Du voisinage à la communauté ? ” (1988)

8)    -عبد الحميد،"الاتصال في مجالات الابداع الفني الجماهيري"، عالم الكتب، القاهرة،1993 Fortin, du André Du voisinage à la communauté ? ” (1988)

9)      محمد عبد الحميد،"الاتصال في مجالات الإبداع الفني الجماهيري"، عالم الكتب، القاهرة،19

10)  مصلحة الاحصاءات العامة والمعلومات2010 .

11)  وزارة الشباب والرياضة ، الشباب والرياضة  ، تونس 2008

 

جميع حقوق الطبع و النشر و النسخ محفوظة لصالح دار التربية الحديثة
لأخذ الموافقة على نشر المقالات مراجعة الأستاذ الدكتور محمد زياد حمدان